عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

21

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

ولست أستفتح اقتضاك بالوعد * وإن كنت سيد الكرماء فإله السماء قد ضمن الرزق * عليه ويقتضي بالدعاء وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير أبو الحسن علي بن حميد الصعيدي المعروف بابن الصباغ صاحب أحوال سنية ومقامات علية وأنفاس صادقة ، وكرامات خارقة ، وفضائل جليلة ، ومواهب جزيلة صحب الشيخ الكبير عبد الرحيم القناوي ، وتخرج به ، وكان والده صباغًا ، وكان يريد أن يكون ولده صباغًا مثله ، ولا يرى بما هو عليه من الاشتغال بسلوك طريق الصوفية ، حتى كان بعض الأيام ، فاشتد غضبه عليه وخاصمه كما اقتضى الوقت ، وهو مشتغل عن الصباغ والثياب على حالها لم يصبغها ، وعنده أزيار متعددة فيها أصباغ مختلفة الألوان يصبغ كل ثوب في زير منها على حسب ما يطلب صاحبه من ألوان الصبغ ، فأخذوا أبو الحسن مجموع الثياب ، وطرحها في زير واحد فصاح والده ، وإنغاظ عليه غيظًا شديدًا ، وقال : أتلفت ثياب الناس ، فأدخل أبو الحسن يده في الزير ، وأخرجها جميعها ، وكل واحد منها مصبوغ باللون الذي أراد صاحبه ، فعند ذلك اندهش عقل والده وهاله ما رأى من تلك الكرامة التي ظهرت عليه ، وسلم له حاله ، واعتقد ما هو مائل إليه من السلوك لطريق الصوفية ، وخلاه من تلك الصنعة بالكلية ، ولما انتهى حاله وصار من أجلاء المرادين التمس منه الصحبة خلايق من المريدين ، وكان لا يصحب إلا من يراه مكتوباً في اللوح المحفوظ من أصحابه ، فجاءه إنسان يطلب منه الصحبة وخدمة الفقراء في بعض الوظائف ، فأطرق الشيخ ساعة ثم رفع رأسه ، وقال : ما بقي عندنا وظيفة ، فقال : يا سيدي لا بد أن تفكر لي في خدمة ، فقال : ما عندنا خدمة إلا إن كنت تذهب وتأتي كل يوم بحزمة من الحلفاء ، قال : نعم يا سيدي فصار كل يوم يأخذ المحش ويأتي بحزمة منها ، فلما كان بعد مدة أوجعته يده فرمى بالمحش وترك الفقراء وذهب ، فبينا هو في بعض الطريق رأى في منامه كأن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط فمنهم الناجي ، ومنهم الواقع في النار نسأل الله السلامة ، فلم يقدر يجوز ، وبقي في خطر عظيم يكاد يقع فيها ، فطلب شيئًا يستمسك ، فلم يجد وبقي متحيرًا مشرفًا على الهلاك ، وإذا حزمة من حزم الحلفاء تحته في النار مارة عليها ، فرمى بنفسه فوقها ، حتى أخرجته منها ناجيًا بلطف الله تعالى ، فاستيقظ مرعوبًا من هول ما رأى ، فرجع إلى الشيخ ، فلما وقع بصر الشيخ